علي بن محمد البغدادي الماوردي

289

أدب الدنيا والدين

معرفة الفصل من الوصل وقيل للعربيّ فقال : ما حسن إيجازه وقل مجازه وقيل للبدويّ فقال : ما دون السحر وفوق الشعر يفت الخردل ويحط الجندل وقيل للحضريّ فقال : ما كثر إعجازه وتناسبت صدوره واعجازه . وقال ابن المقفع : البلاغة قلة الحصر والجراءة على البشر . وسأل الحجاج بن القرّية عن الإيجاز قال : أن تقول فلا تبطئ وأن تصيب فلا تخطئ . وقال الشاعر : خير الكلام قليل * على كثير دليل والعيّ معنى قصير * يحويه لفظ طويل وفي الكلام فضول * وفيه قال وقيل وأما صحة المعاني فتكون من ثلاثة أوجه : أحدها إيضاح تفسيرها حتى لا تكون مشكلة ولا مجملة . والثاني استيفاء تقسيمها حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو فيها . والثالث صحة مقابلاتها والمقابلة تكون من وجهين : أحدهما مقابلة المعنى بما يوافقه وحقيقة هذه المقاربة لأن المعاني تصير متشاكلة . والثاني مقابلته بما يضادّه وهو حقيقة المقابلة وليس للمقابلة إلّا أحد هذين الوجهين . الموافقة في الائتلاف والمضادّة مع الاختلاف . فأما فصاحة الألفاظ فتكون بثلاثة أوجه : أحدها مجانبة الغريب الوحشي حتى لا يمجه سمع ولا ينفر منه طبع . والثاني تنكب اللفظ المستبذل والعدول عن الكلام المسترذل حتى لا يستسقطه خاصيّ ولا ينبو عن فهمه عاميّ كما قال الجاحظ في كتاب البيان أما أنا فلم أن قوما أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب وذلك أنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا عاميا . والثالث أن يكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة ومطابقة . أما المطابقة فهي أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا تزيد عليها ولا تنقص عنها . وقال بشر بن المعتمر في وصيته في البلاغة إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ولا صائرة إلى مستقرّها ولا حالّة في مركزها بل وجدتها قلقلة في مكانها نافة عن موضعها فلا تكرهها على القرار في غير موضعها فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر